عمران سميح نزال

101

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

محتسبة متوكّلة على اللّه تعالى ، وهو ما سوف نصفه في هذا الكتاب بالمصداقية ، فالمصداقية الصدق الصادق ، ولا يكشف عن المصداقية إلا بالسؤال عن الصدق واختباره ، وهو الابتلاء الحقيقي ، وإلا فهو صدق غير موثوق به لم يتمّ اختباره بعد ، فالمصداقية اختبار الصادق في صدقه ، وقد بيّنه القرآن الكريم في مواضع كثيرة ، منها في سورة العنكبوت : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) ، وهو ما سوف يتم التذكير به في الكتاب في مواضعه إن شاء اللّه . 6 - إنه وبالرغم من أن السورة تتحدث عن أخطر غزوة تعرّضت لها دولة المؤمنين المدنية وهي غزوة الأحزاب ، فقد كانت حرب استئصال لدولة المهاجرين والأنصار وإمامهم عليه الصلاة والسلام ، إلا أن روح السورة لطيفة ورحيمة ومتسامحة ، وكثير من آياتها ختمت بأن اللّه كان غفورا رحيما ، كما ختمت السورة كلها بذلك ، وهذا يظهر أن ميزة السور المدنية وهي تخاطب النبيّ وزوجاته ونساءه والمؤمنين ونساءهم بتكاليف شرعية جديدة حتى لو بدت صعبة أو متشدّدة ، إلا أن غايتها الرحمة واللطف والعفو والمغفرة للمؤمنين ، حتى ذكرت الصلاة على المؤمنين الذين يذكرون اللّه ذكرا كثيرا ، قبل الصلاة على النبيّ عليه الصلاة السلام في ترتيب الآيات ، حتى تبقي بابا مفتوحا من اللّه تعالى لهذه الأمة إلى يوم الدين ، مما يعني أن التكليف قائم على الرحمة وليس الحرج ، ولكن هذه الرحمة لا يشعر بها إلا من كانت التقوى أساس إيمانه ، وكانت المصداقية أساس صدقه ، فمن كانوا كذلك تذوقوا طعم الإيمان وزيّنه اللّه في قلوبهم ، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، فهؤلاء يرحمهم اللّه بالصلاة عليهم وملائكته ويخرجهم من الظلمات إلى النور واللّه بالمؤمنين غفور رحيم . 7 - إن الرأي الذي ترجّح لدينا أن سورة الأحزاب نزلت خلال فترة زمنية قصيرة تعدّ بالأشهر القليلة تبدأ قبل شهر شوال من العام الخامس للهجرة وحتى ذي القعدة وذي الحجة من نفس العام ، وخلال قليل من العام السادس للهجرة واللّه أعلم . 8 - إن كثرة المواضيع التي عالجتها سورة الأحزاب من قضايا إيمانية وفكرية وأخلاقية واجتماعية وأمنية وسياسية وعسكرية وفقهية وغيرها في فترة زمنية متقاربة ، تجيب